السبت، 29 نوفمبر، 2008

أنا في انتظارك



عم السكون والهدوء التام أركان المنزل الصغير المرتب، إلا من الدقات الرتيبة للساعة الكبيرة المعلقة على الحائط، إلى أن شق الصمت صوت خطوات بطيئة لسيدة مسنة تبدو على ملامحها الطيبة والحزن النبيل، وبقايا جمال لافت.
اتجهت السيدة مباشرة نحو منتصف ردهة المنزل الخاوية من البشر، حيث استقرت على مقعد هزاز يجاور منضدة صغيرة عليها مسجل قديم تأملته السيدة للحظة قبل أن تمد أصابعها لتديره، ثم تعود لتستند على ظهر المقعد.
وانطلق في خفوت من المسجل القديم صوت كوكب الشرق أم كلثوم وهي تشدو بإحدى روائعها: "أنا في انتظارك خليت ناري في ضلوعي وحطيت إيدي على خدي وعديت بالثانية غيابك ولا جيت...."
وشردت السيدة وهي تستمع لأغنيتها المفضلة، وانطلقت بعقلها في جولة بين الذكريات التي اختلطت بكلمات الأغنية لترسم على وجهها الصافي تعبيرات صامتة، لكنها تنطق بالفرحة تارة وبالأحزان واللوعة تارة أخرى.
تذكرت لقاءها الأول بحبيب عمرها منذ أكثر من ثلاثين عاما، عندما ذهبت لاستلام العمل في إحدى الشركات بعد تخرجها، وكان هو زميلها بنفس المكتب، واستقبلها بابتسامة ساحرة أزالت عنها كل توترها، وسرعان ما نسج الحب خيوطه الحريرية لتربط بين قلبيهما في شهور قليلة...
تذكرت كيف رفضت أسرتها ارتباطها بذلك الشاب الفقير الذي لا يزال يخطو خطواته الأولى في الحياة.. أشفق عليها والديها من اختبار قسوة الحياة، وهما من اجتهدا طوال حياتهما لتوفير حياة كريمة قدر الإمكان لها ولإخواتها، لكنها أصرت بمنتهى الحزم على اختيارها له، وأخبرت أهلها أنها لن ترضى بغيره شريكا لحياتها، وأنها لن تنتظر منهم أيه مساعدة على تنفيذ قرارها سوى مباركته.
وارتسمت على شفتيها المتعبتين ابتسامة رائعة عندما رأت طيفها هي وخطيبها – آن ذاك – وهما يخطوان خطواتهما الأولى داخل هذه الشقة الصغيرة التي كانت في ذلك الحين خاوية على عروشها، لكنها كانت بالنسبة لها أجمل قصر سيضمها مع من أحبت واختارت... تذكرت نظراته الخجلة المليئة بالامتنان وهو يعتذر لها عن ضعف إمكاناته، وعدم قدرته على تجهيز المنزل بالشكل اللائق، وكيف طمأنته أنها معه ولن تتخلى عنه حتى نهاية المشوار.
وابتسمت لهما الحياة... كان زوجها نعم الزوج الحنون التقي... لم يغضبها يوما أو يتنصل من مسئوليته اتجاه أسرته.. لم يكل من العمل ليلا ونهارا لتحسين دخلهما، وحتى في ذروة أي أزمة مالية مرت بهما لم يكن أبدا ليعبس في وجهها أو ينسى شراء الزهور التي يعلم أنها تعشقها وتسعد بها. وهي من جانبها اجتهدت في تدبير أمور المنزل وادخار القروش رويدا رويدا من عمله وعملها حتى نجحت في إكمال ما ينقصهما من أثاث وتجهيزات بالمنزل، وكثيرا ما كانت تفاجئه بقطعة أثاث جديدة اشترتها أو جهاز منزلي لم يستطيعا اقتناءه في البداية.
وازدادت فرحتهما بقدوم طفليهما الواحد تلو الآخر، ورغم اضطرارها في هذه الظروف لترك العمل والتفرغ لتربية الطفلين، إلا أن زوجها لم يشك أبدا من ازدياد الأعباء عليه، ولم تتوان هي أيضا عن استقباله بعد عودته من العمل بكل حبها وحنانها تقديرا منها لكل ما يبذله، ومحاولة لإسعاده ومحو إرهاقه .
ومضت الأيام سريعا، والتحق الطفلان بالمدارس، وزوجها على حاله يتحمل الأعباء كلها وحده، وكلما عرضت عليه أن تعود لعملها لتساعده رفض أن يحملها فوق طاقتها، وأجابها بابتسامته التي طالما عشقتها: " يا زوجتي الحبيبة .. يكفي كل ما تبذليه من جهد لتربية أبنائنا وتدبير أمور حياتنا".
وخانتها دموعها، وهي تتذكر اكتشافها بالصدفة لإصابته بالمرض الخبيث وهو لا يزال في ريعان شبابه، بعد أن حاول كثيرا إخفاء حقيقة الأمر عنها...ذلك المرض اللعين الذي التهم جسد حبيبها وزوجها بلا رحمة، وفي أقل من عام، رغم أنها لم تدخر أي جهد أو مال لعلاجه، خاصة مع تدخل أهلها للمساعدة ، بعد ما رأوه منه طوال السنوات الماضية من شهامة وكرم أخلاق استحق معهما أن يكون زوجا لابنتهما.
ورحل الزوج الشاب، وبقيت هي كجثة متحركة... ذهبت روحها معه، ومع ذلك عليها أن تكمل المشوار، وأن تحمل المسئولية من بعده، وتكمل رسالته التي بدأها مع ابنيهما. وبالفعل عادت إلى العمل وتولت تربية الطفلين وحدها، ورفضت كل محاولات أهلها لإقناعها بالزواج مرة أخرى، فهي لم تنسه لحظة واحدة، ولم تنقطع يوما عن مناجاة صورته الكبيرة المعلقة في غرفتهما ومناقشة كل شئون الأسرة والأبناء معه، لتتخيل ماذا كان سيصبح رأيه في هذا الأمر أو ذاك، ولتشعر دائما بوجوده معها يدفئها ويحميها. كانت تتعجل الأيام حتى تكمل رسالتها على خير ما يرام. وبالفعل مضت السنوات وكبر الولدان، وشق كل منهما طريقه في الحياة، وبقيت هي وحدها في انتظار ساعة اللقاء... تستيقظ كل يوم متلهفة على قطع ورقة النتيجة المعلقة على الحائط والتي تنقص يوما آخر من أيام الانتظار، ثم تجلس في مقعدها الهزاز لتستمع إلى نفس الأغنية وتسرح في ذكرياتها مع حبيبها..
انتهت الأغنية، وعم الصمت من جديد، ومضت ساعات دون أن تتحرك السيدة التي أغلقت عينيها وارتسم السلام والاطمئنان على وجهها..
وبدا أن انتظارها قد انتهى.

هناك 31 تعليقًا:

Ahmed يقول...

جميلة اوي .. بجد :)

تحياتي والله .. أنا بجد مبسوط إني زنيت عليكي تعملي المدونة .. حاسس نفسي سمحت لواحدة موهوبة زيك تطلع اللي جواها :)

الوردة البيضا يقول...

مرسي يا جميل
وأنا حافضل معترفالك بالفضل ده... ربنا يجعله في ميزان حسناتك إن شاء الله.

مفكر يقول...

السلام عليكم::

صراع مضغوط،،

مش عارف انتي تقصدي كدة ولا إيه: الصراع كان إلى حد كبير متوقع وتقليدي،،فهل انت تقصدي مجرد رصد لدورة الحياة بكل وضوح وسهولة؟

أنا كنت في بداية القصة سعيد بقى بالخطوبة والجواز ومتحمس بس بعد كدة قلبت حزن ونوع من الألم المستقبلي،،

دمتي في حفظ المولى

شيماء زايد يقول...

الوفاء ، الاخلاص ، مواجهة الحياة
صفات قلما نجدها
نحترمها ونتطلع إليها
وقد اجملتيها في كلماتك القليله
تحياتي حبيبتي

dina يقول...

بجد بوست رائع و الله و مليان معانى و احاسيس راقية اوىىىىىىىىىىىىىىىى اهمها معنى الحب و الارتباط اللى بجد بقى اللى مفيش فراق ولا زمن يقدر يأثر فيه
بجد تحياتى

mohamed ghalia يقول...

موضوعاتك رائعة كالعادة أختى العزيزة
وهو شكله الحزن ورانا ورانا
تحياتى ودمتى فى سعادة

مها يقول...

رغم الشجن أحببت كل حرف

دمتي مبدعة ورائعة


تحياتي

احساس لسه حى يقول...

عزيزتى
الوفاء والاخلاص والحب
مش معناه اننا منعش حياتنا ودنيتنا
ومنستمتعش بيها

ليه تعيش على ذكراه

هى جمال ذكراه جواها بس من حقها تحب وترتبط وتتزوج

اكيد ده لو لقيت اللى يستاهل حبها

القصة جميلة وبتكرر كتير

لاكن انا شايف ان الحياة ليها جمال لازم نعيشه فى كل لحظات عمرنا

بدل بناخد حقنا بس ومش بنتعدى على اى حق لغيرنا

تحياتى
سلام

اقصوصه يقول...

جميله وممتعه

بانتظار المزيد :)

blue-wave يقول...

رائعة بالفعل
ابدعتى سيدتى

مولان يقول...

الللللللللللللللللللللللله بجد انا مبهوره باسلوبك حقيقي وكفايه اوي الصفات اللي برزتيها

ساحر العشق يقول...

اسمح لي سيدي ان اقدم لك قلمي المتواضع كهديه مني علي اسلوبك الراقي في التعبير

عن ذاتك كلمات اقف امامها عاجزا عن التعبير عما يدور بخلدي تجاها

اعتب علي الزمن اليذي ابعدني عن تلك الكلمات كل هذا الوقت

لكي من مزيد من الشكر والتقدير

اخوك احمد

عازفة الأوتار يقول...

بجد بجد حلوة اوى اوى
مش عارفة اقول ايه بس القصة بجد تعبتنى
بخاف جدا من الفراق
خاصة لو كان الإنسان اللى حنفارقه كل ذكرياته معانا جميلة
بجد قصة متعبة لكنها جميلة جدا

اعذرينى لان كمان اسلوب سردك عيشنى فى جو القصة جدا

تسلم ايدك يا جميل

كل سنة و انتى طيبة

شيماء زايد يقول...

كل عام وانتي اكثر ابداعا واحساسا وتميز
كل عام وانتي بألف خير
العديه حمليها من علي المدونه (:
http://hmasat-elqlm.blogspot.com/
كارت العيد من تصميمي يا رب يعجبك

الوردة البيضا يقول...

عزيزي المفكر
أهلا بك دائما، وبصراحة أهم ما أريده بهذه القصة هو التأكيد على مفهوم الرجولة الحقة، والتعريف بالزوج الذي يستحق التضحية بالعمر كله من أجله. إلى جانب إبراز قيم غابت إلى حد كبير عن مجتمعنا وهي الإيثار والإخلاص والوفاءوتحمل المسئولية والحب الحقيقي الذي يمكنه التغلب على كل الظروف وعلى مرور الزمن ليبقى نابضا يتنفس حتى آخر لحظة في عمر الإنسان.
تحياتي لك

الوردة البيضا يقول...

صديقتي الفنانة شيماء زايد
سعيدة أن أعجبتك قصتي، ودائما تسعدني زياراتك وكلماتك.
كما أشكرك على كارت المعايدة الذي أبدعت تصميمه بنفسك.
كل سنة وانت طيبة
وعيد سعيد

الوردة البيضا يقول...

عزيزتي دينا
أهلا بك وسهلا نورتيني والله، ومرسي جدا على كلماتك الجميلة.
في انتظارك دائما

الوردة البيضا يقول...

الصديق محمد غالية
لولا الحزن يا صديقي ما عرفنا معنى السعادة.
تحياتي لك

الوردة البيضا يقول...

العزيزة مها
أتمنى ألا تكون زيارة عابرة، وأن تتكرر كثير، ومرحبا بك دائما في مدونتي المتواضعة.
يسعدني أن ما قرأته قد أعجبك
كل سنة وانت طيبة

الوردة البيضا يقول...

إحساس لسه حي
يا عزيزي هذا بالضبط ما قصدت قوله، ودعني أذكرك بجزء من كلماتك:ذكراه جواها بس من حقها تحب وترتبط وتتزوج

اكيد ده لو لقيت اللى يستاهل حبها.
ودعني أضع 100 خط تحت هذه الجملة الأخيرة، فما قصدته أن مثل هذا الزوج لا يتكرر وجوده هذه الأيام بسهولة-ولا بصعوبة في كثير من الأحيان-، وفي رأيي هو يستحق أن تحيا البطلة طوال حياتها في انتظار لقاءه في الدار الآخرة ليجتمع شملهما مرة أخرى في الجنة بعد أن فرقتهما الدنيا.

الوردة البيضا يقول...

أقصوصة
أشكرك يا جميلة
وانتظري المزيد
مع تحياتي

الوردة البيضا يقول...

مولان
متشكرة قوي يا حبيبتي، والحمد لله أن القصة نالت إعجابك.
عيد سعيد

الوردة البيضا يقول...

ساحر العشق
أول زياراتك لي، وأتمنى ألا تكون الأخيرة. جزيل شكري على كل كلماتك الجميلةالكثيرة عليّ جدا.
أخجلتم تواضعنا يا فندم
كل سنة وانت طيب
ويا ريت نشوفك تاني وتاني

الوردة البيضا يقول...

blue wave
ألف شكر يا دكتور على ذوقك ومرورك الجميل
تحياتي

الوردة البيضا يقول...

عازفة الأوتار
حللت أهلا ونزلت سهلا، وتعليقك أسعدني جدا جدا.
وفي رأيي أن نهاية القصة سعيدة، فهي أخيرا ستلتقي بحبيبهاوزوجها في جنة الخلد بإذن الله تعالى، حيث لا آلام ولا أحزان ولا فراق مرة أخرى أبدا.
خالص تحياتي لك

الازهرى يقول...

عزيزتى الورده

لا اعرف كيف اعبر عما اعجبنى
فمن الحن النبيل الى الاصرار على انتصار الحب الى حياة الكفاح الرائعة
هذا الى ان القصة مست فى قلبى ورا كادت تنساب له دموعى

بالفعل ابداع

كل سنة وانت طيبة والعائلة بخير وسلام
واعتذر عن الغياب

اخر ايام الخريف يقول...

جميلة جدا جدا ... واجمل منها ذوقك فى الغناء و الموسيقى واعجابك بصلاح جاهين وكلماته...

انا خلاص هبقى مقيمة فى المدونة دى.....!!!!!!

الوردة البيضا يقول...

صديقي الأزهري
شكرا على مرورك الجميل، وتعليقك الأجمل
طمنا عليك دايما، وما تغيبش علينا

الوردة البيضا يقول...

آخر أيام الخريف
أهلا بيكي يا جميلة شرفتيني ونورتيني
مرسي على كلامك الجميل
ويسعدني دايما أشوفك هنا

doaa يقول...

القصة أكثر من رائعة
أعجبتني جداً
مثل هذه الصفات وهذا الحب يستحقان التضحية ليس بالزواج فقط ولكن بأشياء كثيرة
مثال رائع في الوفاء أبدعتي في وصفه

غير معرف يقول...

福~
「朵
語‧,最一件事,就。好,你西...............................................................................................................................-...相互
來到你身邊,以你曾經希望的方式回應你,許下,只是讓它發生,放下,才是讓它實現,你的心願使你懂得不能執著的奧秘

 
Dear Diary Blogger Template