السبت، 25 أكتوبر، 2008

الحائرتان


وقفت "رنا" وشقيقتها الصغرى "شمس" على قارعة الطريق، وقد اعترتهما الحيرة وظهر الخوف بأقصى درجاته على وجهيهما الجميلين البريئين.
كانت الفتاتان تقفان عند مفترق طرق يتفرع لثلاثة اتجاهات مختلفة، بينما ينتشر الضباب حولهما بشكل يعوق الرؤية ويسبب لهما الرعب والفزع.
- "أي من هذه الطرق نتخذ يا "رنا"؟؟!!" تساءلت الصغيرة "شمس" في حيرة وخوف.
أحاطت "رنا" كتفي شقيقتها بذراعها في حنان، وحاولت أن تبث في أعماقها ثقة تفتقر هي نفسها إليها فقالت:
-" لا تخافي يا حبيبتي... سنهتدي للطريق الصحيح إن شاء الله، وإذا اختلط علينا الأمر يمكننا دائما أن نعود من حيث أتينا"
والتفتت خلفها وهي تشير إلى الطريق الذي جاءا منه معا، لتشهق في فزع، وتضم أختها إليها أكثر وأكثر...
- " لقد ... لقد اختفى الطريق يا "رنا"!! اختفى الطريق الذي أتينا منه، وارتفع خلفنا هذا الحائط المرعب"
صرخت "شمس" بهذه الكلمات وهي تنكمش ملتصقة بجسد شقيقتها الكبرى.
صمتت "رنا" قليلا وهي لا تدري ماذا تقول لتهدئ من روع "شمس"، ثم لم تلبث أن حاولت التماسك، لتبتسم في وجهها قائلة:
- "اهدئي يا "شمس" أنا معك لاتخش شيئا، ولنعتبرها لعبة مسلية، ولغز علينا حله لنفوز بجائزة قيمة... ما رأيك؟ هيا سنحاول معرفة أي هذه الطرق هو الذي يجب أن نسلكه"
وأمسكت بيدها في رفق وحنان، وهي تمسح بيدها الأخرى دموع الخوف التي سالت على وجنتيها الصغيرتين.
- "حسنا يا "رنا" لكن أرجوك لا تتركيني وحدي"
وقبل أن تجيبها "رنا" من جديد بعبارة مطمئنة انبعث عن يمينهما صوت غليظ يقول:
- "تفضلا من هنا أيتها الأختين الفاضلتين... مكانكما هنا حيث طريق الخلاص والإيمان"
انطلقت صيحة فزع من حلق "شمس" والتصقت أكثر وأكثر بجسد "رنا" التي حاولت أن تسبر بعينيها حجب الضباب الذي يخيم على كل شيء، وميزت بصعوبة كهلا يقف في الطريق الأيمن... لم تتبين شيئا من ملامحه سوى لحية سوداء طويلة تتخللها شعيرات بيضاء تلتهم أغلب وجهه، ويبدو في منتصفها شق عرضي كما لو كان فم يبتسم.
وفجأة برز كف الرجل ممتدا من وسط الضباب، وهو يقول لهما: "معنا ستعيشان في أمان... سترتديان ثياب العفاف والطهر مثل أخواتكما هنا" وأشار إلى ما بدا ككيان أسود كبير ارتعدت كلا من الفتاتين عندما وقعت عيونهما عليه، ثم لم تلبث "رنا" أن ميزت في هذا الكيان عددا من الأفراد تغطيهم ثياب سوداء من رؤسهم حتى أخمص أقدامهم، وغمغمت في دهشة وخوف: "أهؤلاء هم الأخوات؟!"
أجابها الرجل في حماس:"نعم... يرتدين ما يسترهن عن عيون الفضوليين، ولا يغادرن بيوتهن إلا للضرورة ومع محرم محافظة عليهن من شرور المجتمع الكافر وفتنته، ونختار لهن أزواجا فاضلين يحافظون عليهن ويرعون شئونهن... أقدما ولا تخشيا شيئا... أقدما .. أقدما!"
انبعث فجأة عن يسار الشقيقتين صوت آخر ناعم ورقيق يقول:
- "بل هنا مكانكما... صدقاني. هنا الحياة تفتح لكما ذراعيها عن آخرها... حياة تليق بفتاتين جميلتين مثلكما من حقهما الاستمتاع بشبابهما وتجرع مباهج الدنيا حتى آخر قطرة"
تطلعت الفتاتان في دهشة وفضول إلى مصدر الصوت، وإذا بهما تميزان من بين الضباب ملامح شاب وسيم أنيق حليق يجمع في كلماته بين لغتين أو ثلاث في مزيج مدهش، وأكمل الشاب وهو يشير إلى ما خلفه:
- "هنا يا بنات ستعيشان حياة الانطلاق والحرية... تخرجان كما تريدان وتقضيان أوقاتا ممتعة هنا وهناك... تلبسان أحدث صيحات الموضة مهما بلغت غرابتها... ترقصان وتمرحان دون رقيب أو حسيب، تصادقان من الشباب ما يروق لكما، أو تتركانه وقتما تريدان. ليس من حق أي كائن من كان أن يتدخل في شئونكما، ولا يوجد أي نظام في الكون عليكما الالتزام به، فما خلقت القواعد إلا لنكسرها... أليس كذلك؟!"
- " ولم ينتظر منهما إجابة، وإنما مد كفه هو الآخر إليهما وهو يقول: "Come on, girls… Be cool!!"
ومن خلفه وسط الضباب تبينت "رنا" و"شمس" ما بدا كأجساد فتيات نصفها مكشوف – أو أكثر قليلا – بينما تتطاير شعورهن الغجرية الشقراء والسوداء والبنية هنا وهناك، مع ارتفاع أصوات المرح في المكان.
وابتسمت "شمس" لأول مرة وهي تجذب "رنا" من ثوبها قائلة:
"هيا يا "رنا"! سنذهب مع هذا الشاب اللطيف، ونحيا في سعادة مع أصدقائه"
جذبتها "رنا" إليها في حذر، وهي تقول:
- "انتظري يا حبيبتي ولا تتسرعي، وتذكري دائما أن ليس كل ما يلمع ذهبا، لكني يجب أن أعترف أن هذا الطريق يبدو جذابا للغاية"
صرخ الكهل ذو اللحية عن يمينها:
-" لا ... لا يا بنيتي... بل هنا مكانكما... لا تسيرا في طريق الضلال والعياذ بالله، وترفضا طريق الهدى"
صرخت فيه "رنا" بدورها:
- " وما أدراني أيها الشيخ أن ما تدعوني إليه هو الطريق الصحيح... إنه أقرب إلى الموت منه إلى الحياة"
أجابها:"لا تقولي ذلك، بل هو طريقك للحياة الأبدية والفوز بجوائز الإيمان، فما متاع الدنيا إلا إلى زوال"
ترددت "رنا" وهي تدير عينيها في حيرة بين اليمين واليسار، وتمسك بكف "شمس" المستسلمة للقرار الذي ستتخذه أختها أيا كان.
كنت أراقب كل هذا المشهد من بعيد، من موقعي على الطريق الثالث الموجود في المنتصف، ويمتد مباشرة أمام الأختين الحائرتين وكل ما عليهما هو السير للأمام في خط مستقيم حتى تسلكاه.
كنت أراقب وأنا أصرخ فيهما:
-"انتظرا.. لا تسمعا كلامهما، ولا تتخذا أيا من الطريقين... ليست الجنة مع ذلك الكهل المدع، فلم يخلقنا الله لننعزل عن الحياة، ونسدل ستارا أسودا على عقولنا وأجسادنا، ونحيا بلا حول ولا قوة يفعل بنا الآخرون ما يحلو لهم. وليست الحياة مع ذلك الشاب الفرح بنفسه، فالحرية المطلقة دون الاتزام بأي معايير أو قواعد لن تؤدي إلا إلى الفوضى، ولم يخلقنا الله عز وجل لنحيا في فوضى، بل لنعبده ونعمر الأرض. لا تلتفتا يمينا أو يسارا. فقط امضيا للأمام في طريق مستقيم... تعلما واعملا واختلطا بالناس وتعرفا على أفكارهم.. اختارا من الحياة ما يناسبكما، ولكن اعرفا أولا من أنتما، وبماذا تؤمنان والتزما بذلك ستعبرا بإذن الله لبر الأمان"
صرخت بهذه الكلمات بكل قوتي، لكني اكتشفت أن صوتي لم يتجاوز حلقي، فقد أبت شفتاي بكل إصرار أن تنفتحا وتسمحا لكلماتي بالعبور لتجد طريقها لآذان الفتاتين.
واستيقظت فجأة من نومي، وأدركت أنه كان حلما، لكني لسبب ما شعرت أنه ليس مجرد حلم، حتى بعد استيقاظي واندماجي في روتين حياتي اليومية.
وظل السؤال يتردد بداخلي:
- " يا ترى أي الطرق اتخذت الأختين؟؟!!"
ودعوت الله من قلبي أن يحفظهما ويصونهما من كل شر.

*
إهداء :إلى أجمل فتاتين لم ترهما عيناي، وإنما رأيتهما بقلبي.

السبت، 18 أكتوبر، 2008

حسابات الحب




فتحت "رشيدة" بريدها الإليكتروني في لهفة باحثة عن الرسالة التي ترجو وصولها منذ أيام، وبمجرد أن رأتها في صندوق الوارد تضاربت مشاعرها بين الرغبة في قراءتها فورا، وبين الخوف مما قد تحتويه، ولم تلبث أن نقرت عليها مرتين في تردد، لتنفتح:


عزيزتي "رشيدة"

نزولا على رغبتك الملحة في الحصول على رد على كل الرسائل التي كتبتها لي بعد لقائنا الأخيرلإقناعي باستمرار صداقتنا، ها أنا ذا أكتب إليك رغم أن الصمت يكون أبلغ كثيرا من الكلام في مثل هذه الظروف لأن رد المجروح يكون في أغلب الأحيان قاسيا قدر جرحه.
دعيني أقول أن رد فعلك لم يفاجئني مطلقا بل كنت أتوقعه ومنذ زمن، يمكنك القول أن أسلوبك المنظم لدرجة مرعبة في تحليل كل شيء، ووضع نسب محددة للمكسب والخسارة، والجدوى وعدم الجدوى والالتزام بخطوات مدروسة في كل أمور حياتك، حتى إنك تريدين اختيار الوقت المناسب للإحساس بالحب بعد أن تحققي قدرا كبيرا من طموحاتك العملية، كل ذلك جعلني أعرف الإجابة مسبقا، وإن احتجت ايضا لسماعها منك!!!
للأسف نسيتِ أن هناك أشياء في الحياة لا يمكن تحت أي ظرف من الظروف تحديدها بمواعيد أو إخضاعها للحسابات، ولا تظني أنه إذا جاءك الحب اليوم وركلته بقدميك، أنك ستجدينه يوم أن تكوني في أمس الحاجة اليه، وعندما تكوني قد حققت كل طموحاتك التي تسعين خلفها اولاً.
قد تتساءلين: ما الذي جعلني أواجهك و أطالبك بإجابة مباشرة رغم علمي المسبق بها؟
يمكنك القول أن مشاعري نحوك ونسبة ضئيلة من الأمل بداخلي دفعتني للتعلق بالوهم والسعي وراء الحصول على إجابة صريحة تنهي حالة الشك الموجودة بداخلي: أتشعر بي أم لا؟ ماذا أكون بالنسبة لها؟... وغيرها من الأسئلة التي ظلت ترتع بداخلي طوال مدة صداقتنا، وكان لابد أن أحسم أمري وأواجهك بتساؤلاتي...
و كعادتك حللت الأمر بشكل غاية في النظام والتنسيق وكان ردك عبارة عن تقرير اتضح منه أنك لم تشعري بي قط إلا كصديق وأخ، وأن لقاءاتنا المباشرة لم تكن عديدة بالشكل الكافي لنقترب أكثر، نظرا لظروف عملي التي تتطلب مني السفر خارج المدينة لفترات طويلة، ولذا تقتصر وسيلة الاتصال بيننا على رسائل البريد الإليكتروني التي نتبادلها. نفس منطق البعيد عن العين بعيد عن القلب الذي لم أبغض في حياتي كما أبغضه.
عن نفسي أؤمن يا عزيزتي أن القلب لا يحتاج للرؤية أو السمع كي يحب، فقد تعاشرين إنسانا طيلة عمرك ترينه وتسمعين صوته كل يوم دون أن تشعري به للحظة، في حين قد تستكين روحك لاخر وتعشقينه دون أن ترينه سوى مرات معدودة ، ودون أن يفرق معك ما شكله؟ ماذا يعمل وأين يعيش؟ فقد أصبح جزءا منك وتوحدت روحك بروحه .
دعينا من كل ذلك فكل الكلمات لن تغير من الواقع شيئا الآن .. لقد انسقت خلف إحساسي رغم إدراكي عدم وجود مقابل له لديك، وكنت أخشى دائما أن أعلن لك عن مشاعري لعلمي أن ذلك سيجعلني أخسر كل شيء: الحب الذي طالما تمنيته، والصديقة الوحيدة لي، الإنسانة التي أطلعتها على كل خبايا نفسي بشكل لم أكن أبدا لأفعله مع أي شخص أتعامل معه مباشرة في الحياة اليومية، الإنسانة التي ظننتها مختلفة، أو حبي صور لي ذلك، وجعلني أكذب عقلي!
والآن ... أتدرين لماذا لا يمكن لصداقتنا أن تستمر؟ لأن المشاعر الإنسانية يا عزيزتي لا يمكن فصلها، ولأن الصداقة بين الرجل والمرأة إذا وصلت لهذه الدرجة من الشفافية والقوة التي وصلنا إليها، فإنها ترتقي وتتطور لتصبح جزءا من علاقة أكبر هي الضامن الوحيد لاستمرار هذه الصداقة.
أما إذا تجمدت من أحد الطرفين وظلت على وضعها فإن ذلك سيخلق عدم توازن فظيع كفيل بتدمير الأمر كله من أساسه، دعيني أسألك : الآن وقد علمت باهتمامي الخاص بك هل يمكنك أن تصارحيني كصديق إذا قابلت يوما من ملك قلبك؟ بالطبع لا، لأن حساسية الموقف ستمنع ذلك، بل السؤال الأبسط من ذلك هل يمكن لصداقتنا أن تستمر إذا ارتبط كل منا بآخر؟ أعتقد أنه لم يخلق بعد الرجل أو المرأة اللذان يقبلان أن يشاركهما أحد في اهتمام ومشاعر رفيق حياتهما.
والأهم من كل ذلك هو أنني لست علي استعداد لإضاعة أعوام أخرى من عمري على أمل أن يشعر بي قلب لا يملك البصيرة الكافية ليرى ويشعر ويفهم، وإلا لكان قد فعل منذ البداية. يجب عليّ أن أتعلم النسيان وأن أنظر حولي ربما كانت هناك من تستحق حبي الذي لم يجد تقديرا لديك.
أتركك الآن في رعاية الله، و صدقيني لا يوجد بداخلي أي ضغينة نحوك، كل ما أرجوه هو أن تتفهمي الموقف الذي يحتم عليّ الابتعاد.
الوداع

عصام
تجمدت "رشيدة" في مكانها بعد أن انتهت من قراءة الرسالة وأخذت تفكر قليلا، وهي تشعر أنها قد خسرت صديقها الوحيد المخلص، والإنسان الذي أحبها حبا كبيرا كما علمت، واعترفت لنفسها أنها تحمل له أيضا بعض المشاعر الجميلة، ثم لم يلبث طموحها أن تغلب على ضعفها، وعلا صوته ليؤكد لها أن مستقبلها العملي وأحلامها بأن تصبح أصغر مديرة في محل عملها، أهم كثيرا في هذه المرحلة من الحب والزواج اللذين سيعطلانها ولا شك عن تحقيق أهدافها.
وأغلقت بريدها الإليكتروني ونهضت في حسم، لتعلن انتصار الحسابات... على الحب.

الأحد، 12 أكتوبر، 2008

أنا وهو ... دون أن أدري

تخيلوا إني اكتشفت بالصدفة من كام يوم بس إن فيه مقال اتنشر في مجلة لغة العصر في عدد 27 سبتمبر 2005، ونشر به اسمي مع جزء كبير من قصة كنت قد أرسلتها للمجلة للاشتراك في مسابقة كتابة قصة حول فوائد الكمبيوتر وكيف يستخدمه المصريون لتغيير حياتهم للأفضل؟
آه والله رأيت المقال بعد 3 سنوات من نشره، ولينك موقع المجلة وصفحة المقال المقصود أهه لمن يحب الإطلاع

طبعا لو كنت علمت في حينه بالموضوع كنت حأفرح أكتر من كده، بس عموما أنا مبسوطة، وحأنشر هنا بقى القصة كاملة

أنــــــا .... وهـــــو!

************

كانت أول علاقة مباشرة لي معه عندما أصبحت في السنة النهائية بكليتي النظرية التي تحتل موقعا مميزا بين كليات القمة، قبلها كانت كل علاقتي به نظرية محضة من خلال قراءاتي أو مشاهدتي للأفلام الأجنبية التي أعشقها منذ طفولتي والتي كان هو يلعب دائما دورا رئيسيا بها.
وهكذا كانت أول مواجهة صريحة بيننا عام 1999 : أنا وهو ... الكمبيوتر !!!، وذلك لأن مادة الكمبيوتر كانت إحدى المواد الأساسية في منهج العام النهائي بالكلية ، وكانت مقررة علي جميع الأقسام.
وجلست أمامه مبهورة ... مشدوهة ... أخشى مجرد أن تمسه أصابعي لأني كنت أسمع دائما عن مدى حساسية كل زر من أزراره..
كنت من أسرة متوسطة قضيت سنوات تعليمي كلها في المدارس الحكومية حيث لا تشمل الأنشطة المدرسية سوى التدبير المنزلي والرسم والأشغال اليدوية، والتي كان ينتهي بها الحال في أغلب الوقت إلي أن تحول حصصها لصالح المقرر الدراسي لأن المناهج ضخمة والوقت لا يكفي ... ولكني علمت بعد ذلك أن الكمبيوتر بدأ يغزو المدارس الحكومية أيضا وأصبحت هناك معامل للكمبيوتر وحصص مخصصة لتدريسه، بل أن ابن أخي الصغير درس الكمبيوتر وهو في عامه الأول بالحضانه وأصبح بمقدوره فتح الجهاز وإغلاقه بمفرده واستخدام برنامج الرسام وبعض الالعاب البسيطة علي الجهاز ... حقا إن كل شئ يتطور بسرعة الصاروخ!
وفي تلك الفترة لم تكن فكرة اقتناء جهاز كمبيوتر قد انتشرت بعد في المجتمع المصري كما هي الآن خصوصا بعد إطلاق مبادرة حاسب لكل بيت والتي سهلت الأمر علي الأسر المصرية البسيطة التي ترغب في شراء جهاز كمبيوتر دون تحمل المزيد من الأعباء، أما في ذلك الحين كان اقتناؤه يقتصر فقط علي بعض أبناءالأسر الثرية.
لن أطيل عليكم كانت أول مواجهة بيني وبين هذا الجهاز الرهيب فاشلة تماما .. كانت الأجهزة الموجودة في معمل الكلية قديمة نسبيا .. بطيئة الاستجابة، ولم يكن عددها يكفي لعدد الطلبة والطالبات، مما جعل كل طالبين أو ثلاثة يجتمعون أمام جهاز واحد ... وطبعا إذا كان لأحد هؤلاء الطلبة خبرة سابقة في التعامل مع الجهاز تكون له السيطرة على زميله أو زميليه الآخرين بحيث تتحرك أصابعه هو بخفة فوق أزرار الجهاز بينما يشعر الآخران بالعجز والفشل لعدم استطاعتهما ملاحقة زميلهما أو فهم ما يحدث ... وهذا بالضبط ما حدث معي وكانت النتيجة عند نهاية العام الدراسي هي عدم استفادتي نهائيا مما تعلمته لعدم وجود الفرصة لكي أحصل علي تدريب عملي علي الجهاز .. أما زملائي الآخرين فمنهم من يمتلك جهازا خاصا في منزله يتدرب عليه، ومنهم من يذهب إلي أحد مراكز الكمبيوتر للحصول علي فرصة التدريب العملي على أحد الأجهزة هناك، وحيث أن كلا من الحلين لم يتوفر لي لضعف إمكاناتي المادية، لم أحقق أبدا النتيجة المرجوة حتى انني نجحت أيامها في مادة الكمبيوتر – ولأول وآخر مرة في حياتي – بمساعدة المراقبة على الإمتحان والتي أشفقت علي وساعدتني علي اجتياز الاختبار العملي .. وقد سبب لي هذا عندئذ ما يشبه العقدة النفسية، وأثار بداخلي تحديا لا حدود له بضرورة أن أقهر فشلي أمام هذا الجهاز العبقري الذي كنت أدرك أن له فوائدا عظيمة لن أتمتع بها إلا إذا وصلت لصيغة التفاهم المطلوبة معه.
وتخرجت من الجامعة بتفوق وتقدير عال .. ثم دخلت في دوامة البحث عن عمل، وبدأت أدرك أكثر وأكثر أهمية إجادة العمل علي الكمبيوتر والتي تبدأ من تقديم السيرة الذاتية CV المعدة بعناية علي برنامج الـWORD بشكل يظهر مهارة صاحبها في استخدام الكمبيوتر وحتى إجادة التعامل مع التطبيقات الأخرى المختلفة كالطباعة والكتابة بسرعة مناسبة بالعربية والإنجليزية، وإجادة استخدام الماسح الضوئي (الاسكانر) ، وبرامج مثل المجموعة المكتبية (اكسل – أكسس – بور بوينت) بالأضافة إلي الإنترنت ... كان سوق العمل يحتاج بشدة إلي هذه المهارات إلي جانب اللغات، ولكن المؤهل العالي وحده أصبح مجرد ورقة عديمة القيمة، والكثير جدا من حملتها لا يجدون لهم مكانا سوى على المقاهي.
وهكذا كانت النتيجة هي فشلي في الحصول علي عمل مناسب رغم إجادتي للغتين أجنبيتين .. ولم أكن بالطبع أمتلك المال اللازم للحصول على دورات في الكمبيوتر. ولم أيأس ... بل التحقت مؤقتا بعمل عادي متواضع لمدة ستة أشهر تقريبا بهدف توفير بعض المال .. وقد كان ...ولكن التحاقي بهذه الدورات اضطرني لترك العمل الذي كان يمتد علي مدار 14 ساعة يوميا تقريبا بينما كانت الكورسات تحتاج إلي التركيز والتفرغ .
ورغم ذلك أصبت بالإحباط مرة أخرى لأن تلك الكورسات لم تكن كافية لسببين : أولهما هو أن مستواها لم يكن متقدما وانما كانت تكفي لإكتساب المهارات الأساسية فقط، كما أن المبلغ المتوفر معي في ذلك الحين لم يمنحني الفرصة لتعلم أكثر من الويندوز و الورد، أما السبب الثاني فهو انني لم أحصل علي عمل فور انتهائي من هذه الدورات مما أدى إلي نسياني تدريجيا لما تعلمته فيها بسبب عدم الممارسة.
وكأن الله أراد أن يكافئني علي اجتهادي و إصراري ، فلم تمض عدة أشهر إلا وتوفرت لي فرصة ذهبية عندما فزت بمنحة مجانية لمدة ثلاثة أشهر من معهد ITI التابع لمجلس الوزراء و مقره بالهرم، واشتملت هذه المنحة على دراسة الكمبيوتر (كل برامج الأوفيس) إلى جانب الانترنت والشبكات بشكل متقدم، بالإضافة إلي إتقان مهارات السكرتارية التنفيذية المختلفة، والترجمة من وإلى الإنجليزية، ومهارات أخرى عديدة..
وكانت هذه المنحة نقلة حقيقية في حياتي ... فقد كانت الدراسة مجانية تماما وتبدأ من التاسعة صباحا حتى الخامسة مساء يوميا، بمدرسين على أعلى مستوى، وجهاز مستقل لكل طالب (و كان عددنا في هذه الدورة لا يتجاوز 12 طالبا وطالبة هم كل من نجح في اجتياز اختبارات القبول).
وبدأت أتعامل مع الكمبيوتر بمنظور جديد ... منظور الإجادة والاحتراف واكتساب خبرات عديدة ومفيدة. وكانت إدارة المعهد تسمح لنا أيضا بالبقاء بعد الساعة الخامسة لممارسة التدريب العملي لمن يرغب في ذلك. وكانت هذه الفترة من أسعد أيام حياتي، وأحسست خلالها أني قد انتقلت فجأة إلى عالم آخر ... عالم ساحر من التكنولوجيا والخبرة و التقدم.
وبقرب انتهاء الشهور الثلاثة بدأ احساس من الحزن ينهش قلبي .. كانت هناك حالة من الألفة والاعتياد قد نشأت بيني وبين جهازي الذي تعلمت من خلاله الكثير، واستطعت عبره أن أسبر أغوار هذا العالم الغامض المثير ... عالم الكمبيوتر و الانترنت، ولكن لكل شئ نهاية!!‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.
وبدأت ابحث عن عمل من منظور جديد : سيرتي الذاتية معدة علي الكمبيوتر باحتراف وبثلاث لغات مختلفة، وتحمل صورتي الشخصية التي أدخلتها علي الكمبيوتر باستخدام الماسح الضوئي .... التقديم للوظائف المختلفة أصبح عن طريق البريد الألكتروني ... وفي البداية لم أتجه إلي العمل كسكرتيرة تنفيذية لارتباطي في ذلك الوقت بالدراسة حيث التحقت بالدراسات العليا في كليتي لمدة عامين. ولكن ظل للكمبيوتر دورا هاما جدا في حياتي في تلك الفترة حيث بدأت احترف تدريس اللغة الإيطالية، وكنت أعد المذكرات والملخصات للطلبة على الكمبيوتر. في البداية كنت أقوم بذلك عن طريق تأجير جهاز بأحد مراكز الكمبيوتر لعدد من الساعات، وشيئا فشيئا أخذت ادخر كل قرش أربحه، وساعدتني شقيقتي أيضا بمبلغ كانت تدخره حتى استطعت شراء جهاز كمبيوتر خاص بي مكنني من إعداد الملخصات للطلبة بصورة لائقة كما مكنني أيضا من احتراف الترجمة حيث كنت أتلقى النص المطلوب ترجمته عبر البريد الالكتروني، ثم أعيد إرساله بعد ترجمته أيضا بنفس الوسيلة ... وبالإضافة لذلك قمت علي مدار هذين العامين بإعداد أكثر من سبعة أبحاث علمية متخصصة استعنت فيها بالانترنت للحصول علي المراجع المطلوبة و المادة العلمية اللازمة.
وبعد حصولي على دبلومة الدراسات العليا عدت للبحث عن عمل ثابت .. وأهلتني إجادتي للغات والكمبيوتر بشكل محترف للحصول على وظيفة مديرة مكتب المدير العام ومترجمة اللغة الإيطالية بإحدى الشركات الناجحة جدا في مجالها . ومضت بضعة أعوام منذ التحاقي بهذه الشركة استفدت خلالها من كل مهارات الحاسب الآلي التي تعلمتها منذ تخرجي من الجامعة، وأعلم أنه لا يزال أمامي الكثير أيضا لأتعلمه.
وعلى المستوى الشخصي أيضا كان للكمبيوتر أهمية كبرى في حياة أسرتي حيث لا أنسى أبدا دوره في حياة شقيقتي الصغرى، بعد أن سهل عليٌ وجوده في المنزل تعليمها مهاراته المختلفة باحتراف قبل حتى تخرجها من الجامعة، مما وفر عليها بعد ذلك الكثير من المشقة ومكنها من الحصول علي وظيفة جيدة بإحدى الشركات قبل حتى ظهور نتيجة الليسانس وحصولها علي المؤهل العالي.
ويقوم الكمبيوتر بالنسبة لي بعمل الكثير من الأجهزة في وقت واحد مثل المسجل والفيديو و البلاي ستاشن، بالإضافة إلي كل تطبيقات الكمبيوتر الأخرى مثل الطباعة وتخزين الصور الفوتوغرافية. وهكذا تجد عندي مكتبة من الـ CDs تحتوي علي أجمل الألبومات الغنائية العربية والأجنبية، والأفلام، كما قمت أيضا بتخزين كل صورنا العائلية الخاصة التي تحمل أجمل الذكريات علي جهازي المنزلي عن طريق الماسح الضوئي، وبدأت منذ فترة وجيزة أيضا في تعلم برنامج الفوتو شوب لكي أتمكن من عمل التأثيرات المختلفة علي الصور.
وبالنسبة للانترنت فهي تقوم بالنسبة لي بدورا رئيسيا في تسهيل إقامة علاقات صداقة مع أناس من مختلف أنحاء العالم بأبسط التكاليف عن طريق (التشات) والبريد الإلكتروني، وبهذا استطعت اكتساب صداقات جديدة، واستطعت تقوية اللغات الأجنبية التي أجيدها.
مهما عددت من الفوائد التي عمت عليٌ من استخدام هذا الجهاز السحري فلن أفيه حقه سواء علي المستوى العملي أو الشخصي حيث كان له دورا رئيسيا في تغيير حياتي بالكامل إلى الأفضل، وأصبح صديقي الذي لا أمل أبدا من صحبته، وهكذا تجدنا دائما معا ... أنــا .... وهــو ‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!

الأربعاء، 8 أكتوبر، 2008

أسئلة وأجوبة



الصديقة la rose طلبت مني الإجابة على الأسئلة التالية:
أول كتاب قرأته باستثناء قصص وكتب الأطفال؟
أول كتاب قرأته بعيدا عن قصص الأطفال المصورة ومجلة ميكي جيب، هي قصة (الاختفاء الغامض) – العدد الأول من سلسلة "رجل المستحيل" للدكتور/ نبيل فاروق، والتي أعتبرها مرحلة هامة جدا في حياتي لأنها كانت بداية إدماني لكل كتابات هذا الرجل المبدع بكل أنواعها (جاسوسية – خيال علمي - رومانسية)

3 كتب استمتعت بها وأنصح بها الآخرين؟
مممم 3 كتب ... طبعا أول واحد وأجمل كتاب أتمنى لو يقرأه الجميع ويتدبر معانيه - أو على الأقل يحاول - هو القرآن الكريم، والذي أنأى به طبعا عن المقارنة بما سواه من الكتب
الكتاب الثاني "عبقرية محمد" لمحمود عباس العقاد
أما الكتاب الثالث فهو رواية (La Ciociara) المعروفة في العربية باسم "امرأتان" لألبرتو مورافيا والتي تتحدث عن أم وابنتها والويلات التي صادفتهما في سنوات الحرب العالمية الثانية
آه معلش ممكن أخليهم 4 كتب بعد إذنكم؟
الكتاب الرابع لم يصدر بالأسواق بعد، ولكنه إن شاء الله في طريقه إلى ذلك، وهو المجموعة القصصية الجديدة للكاتب الشاب أحمد رمضان صاحب مدونة Ahmedism ، والمجموعة بعنوان "إنكسارات مخفية وأساطير محكية" وقد أعجبت بها جدا

كتاب قرأته وتتمنى لو لم تفعل؟
كانت إحدى روايات عبير، لا أتذكر اسمها، ولكني أذكر أنني لم أكرر المحاولة مع اي رواية أخرى من نفس السلسلة

كتب أقرأها حاليًا ؟
أقرأ حاليا كتاب (عايزة أتجوز) لغادة عبد العال، وبعده إن شاء الله في الخطة قراءة كل من: رواية شيكاغو لد. علاء الأسواني – كتاب "تاكسي... حواديت المشاوير" لخالد الخميسي – ورواية (بحر الروم) لأيمن زهري

خلصت الأسئلة ودي إجاباتي
ومرسي لـ la rose

الجمعة، 3 أكتوبر، 2008

رحلة العذاب



"ركبت الأتوبيس اليوم ذاهبة إلى الجامعة"
هذه الجملة مكونة من بضع كلمات قليلة، ولكنها تحمل في طياتها مأساة كاملة. لقد بدأ الأمر بتعطل سيارة أبي وإرسالها للتصليح، وقد كان يحرص علي اصطحابي بها كل يوم من وإلي الجامعة منذ التحاقي بها هذا العام، وعلي الرغم من أنه لم يبغ بذلك إلا راحتي إلا إنني ضقت بالأمر، واعتبرته محاولة من أبي لمصادرة حريتي ومراقبة تحركاتي، لذلك لم تكد السيارة تتعطل حتى أخبرت أبي بأني سأذهب إلى الجامعة بمفردي هذا الصباح، وقد عرض علي أن يوصلني بسيارة أجرة، ولكني رفضت لأنه كانت بي رغبة في الاعتماد علي نفسي وخوض تجربة جديدة كالذهاب إلى الجامعة بالأتوبيس مثلا كجميع زملائي الذين لا يمتلكون سيارة وكانوا ينعتونني دائما بالمدللة لأن أبي يوصلني بسيارته كل يوم.
وبالفعل، ذهبت إلي محطة الأتوبيس وانتظرت حتى أتى الأتوبيس الذاهب إلى الجامعة ... لم يكن شديد الازدحام، فقد كان يحوي ما يقرب من مائة راكب فقط ! ولم يكد يتوقف في المحطة حتى اندفع طوفان من البشر – وأنا معهم – نحوه، واندفع طوفان آخر من داخل الأتوبيس للنزول واشتبك الجانبان... لم أدر ماذا حدث بالضبط ولكن في النهاية وجدت نفسي داخل الأتوبيس وسط حشود من الركاب، والكمساري الهمام يشق طريقه بينهم بشكل أشبه بالمعجزة لقطع التذاكر .. حاولت بكل جهدي أن أتجنب الاحتكاك بأي من الركاب ولكني فشلت فشلا ذريعا، فقد تكدسنا جميعا داخل الأتوبيس كقطع السردين داخل علبة من الصفيح الصدئ وأصبحنا كتلة واحدة، وما إن يتوقف الأتوبيس في أي محطة حتى نندفع جميعا بفعل القصور الذاتي ساقطين فوق بعضنا البعض، ويتعالى الصياح، ويندفع عدد آخر من الركاب صاعدين إلي الأتوبيس مع بعض الباعة الجائلين ببضاعتهم المختلفة (سجائر – دبابيس – أمشاط – حلوى ...الخ) وشيئا فشيئا انعدم الأكسجين تقريبا داخل الأتوبيس، فحتى النوافذ المفتوحة كانت مسدودة عن آخرها بالأجساد مما منع الهواء من الدخول، وأصبحت أتنفس بصعوبة وشعرت كأنني سأذهب في غيبوبة عميقة، واختلطت الأصوات في أذني: صياح الباعة .. بكاء طفل تحمله أمه .. لعنات يصبها السائق علي السائرين في الطريق.. الخ.
باختصار استغرقت الرحلة إلى الجامعة ما يقرب من الساعتين، ولكم أن تتخيلوا هيئتي عند الوصول، فحينما دخلت الكلية توقع جميع زملائي أنه قد وقعت لي حادثة مروعة ، فقد كنت مشعثة الشعر، مهلهلة الثياب، زائغة العينين كمن خرج على التو من معركة حامية الوطيس . ودخلت إلي قاعة المحاضرات وأنا أجر قدميّ من التعب لأحضر المحاضرة الثانية بعد أن فقدت الأولى لوصولي بعد انتهائها... وحاولت أن استجمع قواي وأركز فيما يلقيه علينا المحاضر و....
وفجأة سمعت من يصيح " أوقظوا تلك النائمة !!" وشعرت بيد تهزني بقوة، فانتفضت بسرعة، وعلت وجهي حمرة الخجل حينما اكتشفت أن النوم قد غلبني داخل قاعة المحاضرات، وبالطبع طُردت من المحاضرة.
وبمجرد عودتي إلى المنزل، أسرعت إلي أبي وسألته في لهفة:
"هل تم إصلاح السيارة؟ "
ولن أخبركم كم شعرت بالارتياح حينما أجابني بالإيجاب !!
لقد كانت تجربة لن أنساها مدى الحياة .. و كان الله في عون راكبي الأتوبيسات!!
 
Dear Diary Blogger Template