السبت، 9 مايو، 2009

المحاكمة



"محكمة!"صاح الحاجب بهذه الكلمة في حسم مع بدء الجلسة ليقف جميع الحضور في احترام وتبجيل مع دخول القضاة الثلاثة إلى القاعة وجلوسهم ثم إشارة كبيرهم للناس بالجلوس.
- "ناد على القضية الأولى"
صاح الحاجب : "محمد" و"جورج" وإخوتهما ضد السيدة "هبة النيل"
وقف "محمد" و"جورج" من بين الحضور وأعلنا تمثيلهما لكل إخوتهما وسائر أفراد الفرع الضعيف من الأسرة، بينما بدت في قفص الاتهام سيدة وقور لم تنل سنوات عمرها العديدة من جمالها الفتان وسماحة وجهها الطيب، وإن بدت عليها رغم ذلك علامات الحزن العميق والإرهاق الشديد.
نظر القاضي للمدعيين وسألهما:
- ما دعواكما؟
بدأ "محمد" الحديث:
- يا سيدي القاضي هذه السيدة هي أم تجردت من كل معاني الأمومة والرحمة، وقست علينا – نحن أبناؤها – فحرمتنا من رعايتها ومن ثرواتها الضخمة... بخلت علينا وسدت في وجوهنا أبواب الرحمة، وآثرت علينا من يخدعها وينهبها... ليس ذلك فقط بل باعت العديد من ممتلكاتها بمبالغ طائلة بدعوى إنفاقها علينا وعلى أولادنا، وتحسين دخولنا ومساكننا وتعليم أبنائنا، ولكننا لم نحصل على أي من هذه الأموال يا سيادة القاضي، بل ضاقت علينا الأرض بما رحبت فلا نجد لنا سكنا آدميا ولا عملا لائقا ولا تعليما مفيدا لأبنائنا، بينما هي تبعثر أموالها هنا وهناك فيما لا طائل تحته. لقد أصبحنا في بيت أمنا كالخدم الأذلاء الذين يأكلون الفتات ويلبسون الأثمال البالية... يُضربون على مؤخرات رؤوسهم في كل وقت وينامون آخر الليل في الشوارع وتحت الكباري... ضاق بنا بيتنا فهمنا على وجوهنا، وطرقنا أبواب الجيران بحثا عمن يتبنانا ويرعانا ويوفر لنا ما حرمتنا منه أمنا. لكن يا سيدي إذا أهينت كرامتك في بيتك فمن ذا الذي سيجعل لك قيمة!!
غرق الكثير من إخوتي وأبنائي في البحر أثناء محاولتهم الهروب من جحيم البيت، وسُجن البعض الآخر، ومنهم من عمل كالثور المربوط بالساقية ليلا ونهارا عند الجيران ثم ضاعت حقوقه وليس هناك من يحميه أو يدافع عنه.
وأكمل جورج ملتفتا ناحية قفص الاتهام:
- لماذا يا أمي؟ ... لم حرمتنا من حبك وحنانك؟ لم بددت ثرواتنا وبعت أراضينا للغرباء الذين سالت دماؤنا أنهارا في الماضي حتى استطعنا طردهم من بيتك؟ لم أبحت دماءنا لكل من هب ودب؟ ألا تعلمين كم نحبك؟ وكم نتعذب لقسوتك علينا؟
بدا التأثر على وجه القاضي، وأشار للأخوين بالجلوس ملتفتا للمتهمة، وسألها:
- ألديك ما تدافعين به عن نفسك؟
تحدثت "هبة" والدموع تترقرق في عينيها الجميلتين:
- سامحوني يا أبنائي... إني مثلكم لا حول لي ولا قوة... في الماضي سيطر الغرباء على شركاتي وأموالي، وأداروها لحسابهم وظلموكم، لكنكم اتحدتم يا أبنائي وكافحتم حتى طردتم الغرباء، وعادت إدارة أموالي ومشروعاتي لكم... أليس هذا ما حدث؟
أجابها الأخوان معا: بلى
أكملت الأم والمرارة تكسو وجهها:
- يا سيادة القاضي إن أبنائي كثيرون، وكان عليّ أن اختار من بينهم من يمثلهم ويرعى شئوني وشئونهم، وقد كان، لكنه الطمع يا سيدي... لقد طمع بعض من اخترتهم من أبنائي للإدارة في أموال إخوتهم وكادوا لهم... كدسوا الأموال في حساباتهم الخاصة بعد أن سحبوها من أصول أملاكي وشركاتي وباعوا أكثرها للغرباء دون علمي أحيانا ودون موافقتي في أحيان أخرى... بنوا القصور والمنتجعات والقرى السياحية التي يتنعمون فيها هم وضيوفهم من الغرباء، وتركوا إخوتهم يحملون الجبال على ظهورهم... يأكلون اللقيمات الجافة... ويركبون السفن الغارقة والقطارات المحترقة... ينامون بالشوارع وأسفل الكباري... ويموتون دون أن يجدوا نفقات العلاج.
يا حسرتي على أبنائي يا سيادة القاضي... كلهم للأسف أبنائي ... منهم قابيل وأكثرهم هابيل... القاتل والمقتول... السارق والمسروق... الجاني والضحية. كلهم أبنائي.
وسالت دموعها وهي تواصل: ربما أخطأت في اختيار بعضهم ليدير الثروة ويوزع عائدها عليهم جميعا... لكني أحبهم با سيادة القاضي، وأتمنى لو أضمهم جميعا في صدري وأحيطهم بذراعيّ، لكن يديّ مغلولتان. سامحوني يا أبنائي لقد أخطأت في حقكم دون أن أدري، وأرجو ألا يكون الأوان قد فات، وأن أجد الفرصة لمداواة جراحكم والتخفيف عنكم.
تداول القضاة ثم تكلم كبيرهم: بعد أن ثبتت في حق السيدة "هبة النيل" جريمة تفضيل بعض أبنائها على البعض الآخر مما أدى لهلاك أغلبهم وضياع حقوقهم، فقد رأت المحكمة...
وقف "محمد" و"جورج" في هذه اللحظة وصرخا معا قبل إصدار الحكم:
- انتظر يا سيادة القاضي أرجوك، ولا تعاقب أمنا... إنها ضحية مثلنا... لقد كانت تريد الخير لنا جميعا. نحن من خان الأمانة... نحن من ضعفنا أمام إخوتنا المتجبرين وتركناهم ينهبون حقوقنا... نحن من استسلمنا لضعفنا وقلة حيلتنا وتهاونا في الدفاع عن أنفسنا والمطالبة بحقوقنا، ولن يمكننا الحياة يوما واحدا على هذه الأرض لو تسببنا في إصابة أمنا الحبيبة بأي مكروه. لذلك نرجو من سيادتكم إسقاط التهم عنها وتوجيه الاتهام للمخطئ الحقيقي في حقنا وحقها، مع إدراج اسمها في قائمة المدعين. كفانا ضعفا واستسلاما... كفانا صمتا وهوانا، ولنقف معا لنرد الظالم عن ظلمه ونعيد لأمنا كرامتها وبسمتها.
عاد القضاة للتشاور ثم تحدث كبيرهم:
- حكمت المحكمة بإسقاط التهم عن السيدة "هبة النيل" واستدعاء المتهمين الحقيقيين في القضية ومواجهتهم بما هو منسوب إليهم.
رفعت الجلسة

الاثنين، 4 مايو، 2009

عودة

السلام عليكم... كيف حالكم جميعا؟؟؟ أتمنى أن تكونوا بخير حال
كان آخر ما نشرت على مدونتي العزيزة منذ ما يقرب من شهر ونصف، وطوال الفترة الماضية - وحتى الآن- انتابتني مشاعر سلبية عديدة، وكلما فكرت في الكتابة كنت أجد أن ما سأكتبه - وما كتبته بالفعل في هذه الفترة - سيكون الكآبة مجسمة، ولن يمتع أي قاريء لأنه ليس سوى تفريغ لآلام تخنقني، وإنما كل ما سيحدث أنه سيثير حولي موجة لا تنتهي من قلق الأصدقاء وإصرارهم على معرفة سبب هذه الحالة المسيطرة عليّ، وبما أني لا أملك تفسيرا في كلمات يرضي فضول الآخرين، وبما أني أعلم جيدا أن لا أحد يملك مساعدتي على تجاوز هذه المشاعر إلا الله، فقد التزمت الصمت الفترة الماضية، لكني كنت أتابع المدونة من آن لآخر، وقد قادني هذا إلى اكتشاف أن غيابي لم يشعر به أحد من الأصدقاء المدونين الذين دأبوا على متابعة ما أكتب، باستثناء الصديق الأزهري، والذي أشكره من صميم قلبي على اهتمامه وسؤاله.
لا أنكر أن عدم التعليق على غيابي قد زاد من حالتي النفسية سوءً، حتى أن كل ما قفز بذهني كان شخصية الفتاة التي كانت تعمل في نقل الخطابات والملفات بين المكاتب في فيلم "What Women Want" لميل جيبسون وهيلين هانت، والتي قدرت أنها لو توقفت يوما عن الذهاب إلى العمل فلن يلحظ أحد غيابها إلا بعد فترة طويلة جدا عندما تبدأ الملفات والخطابات في التكدس دون أن تجد من يوزعها!!
لكني لا أنكر أن بعض الأصدقاء في العمل ممن يحرصون على متابعة مدونتي قد سألوني أكثر من مرة لماذا توقفت، وأخص بالذكر أحمد عاطف والعزيزة هايدي، وهنا عادت الأفكار الإيجابية تزورني من جديد: حتى إن كان هناك شخص واحد يقرأ ما أكتب فهو يستحق أن أكتب احتراما له.
سأعمل خلال الأيام القادمة إن شاء الله على نشر موضوع جديد، وأتمنى أن تعود العجلة إلى الدوران من جديد.
أترككم الآن في رعاية الله
 
Dear Diary Blogger Template